محمد غازي عرابي

865

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

نسف عالم الذرة نفسه ، ولقد تحدثنا عن هذا الموضوع في كتابنا فتح الوجود والإنسان الكامل ، ومعلوم لدى العلماء أن للعالم عمرا ، وهم يقدرون متى كانت بدايته ، وكانت بتكثف الطاقة اللطيفة حتى صارت سديما أول ، ثم تكثفت ذرات هذا السديم فتكونت الأجرام ، ويقولون متى استوفت الذرات أجلها عاد العالم سديما كما كان ، ولهذا ختمت الآية بالقول : فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ، أي هم ساكنون أموات . [ سورة يس ( 36 ) : آية 32 ] وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 32 ) [ يس : 32 ] عبرت الآية تعبيرا بليغا عما أوردناه سابقا عن كون العالم في القبضة وأن لا خروج على المشيئة والقدرة الإلهيتين ، وأن القدرة إنسانية كانت أم غير إنسانية هي عارية وهي بالقدرة الأزلية تقوم . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 33 إلى 34 ] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) [ يس : 33 ، 34 ] الحب إخراج المعقول من أرض المحسوس ، ومن أجل هذا الإخراج أرسل اللّه الاثنين اللذين تحدثنا عنهما ثم عززهما بثالث ، فاللّه يريد إظهار صفاته ولا مجال لهذا الإخراج إلا فلق الحب من أرض المحسوسات ، فاللّه بمثابة عالم في معمله أو مختبره ، فهو من غير آلاته وأدواته ومعلوماته المسطرة عالم ، ولكنه عالم من غير فعل ، وبالأدوات من الممكنات المحسوسات الظاهرات أخرج اللّه حب معقولاته من هذه الأرض التي هي موات من دونه ، والتي هي به حية . [ سورة يس ( 36 ) : آية 35 ] لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) [ يس : 35 ] في الآية وسيلتان لاستنباط المعلومات ، الأولى الثمار الإلهية التي هي المعقولات النازلة من عالم الغيب إلى أرض الشهادة ، والتي هي جند اللّه المجندة تؤيد كل عقل حسي جعله اللّه يهوي إلى العلم وطلبه ، والوسيلة الثانية هي ما عبر عنها بما عملته أيديهم وهذا ما سبق الحديث عنه في الحروف الإلهية التي صارت تعينات وتشخصات تتقابل وتتباعد وتنجذب وتتنافر ، فالعالم كله أيد للّه ، يخرج اللّه بها الحب ذا العصف والريحان . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 36 إلى 37 ] سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) [ يس : 36 ، 37 ] في الآية ذكر للوسيلتين الضرورتين للتعلم ، فالأرض ضرورية للمحراث ليشقها ويخرج ما فيها ، وهي لا تخرج ما فيها إلا بالماء الذي يسقيها اللّه إياه ، فالماء إلهي ، والأرض وسيلة